فصل: غَضَبُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِمّنْ لَمْ يَفْسَخْ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل مَوْضِعُ حَيْضَةِ عَائِشَةَ وَطُهْرِهَا:

وَأَمّا مَوْضِعُ حَيْضِهَا، فَهُوَ بِسَرِفٍ بِلَا رَيْبٍ وَمَوْضِعُ طُهْرِهَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ بِعَرَفَةَ هَكَذَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْهَا وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْهَا أَنّهَا أَظَلّهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَقَدْ حَمَلَهُمَا ابْنُ حَزْمٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَطُهْرُ عَرَفَةَ: هُوَ الِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ بِهَا عِنْدَهُ قَالَ لِأَنّهَا قَالَتْ تَطَهّرْتُ بِعَرَفَةَ وَالتّطَهّرُ غَيْرُ الطّهْرِ قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاسِمُ يَوْمَ طُهْرِهَا، أَنّهُ يَوْمُ النّحْرِ وَحَدِيثُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قَالَ وَقَدْ اتّفَقَ الْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ عَلَى أَنّهَا كَانَتْ عَرَفَةَ حَائِضًا، وَهُمَا أَقْرَبُ النّاسِ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدّثَنَا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُوَافِينَ هِلَالَ ذِي الْحِجّةِ... فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ، طَهُرَتْ عَائِشَةُ وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَى هَؤُلَاءِ كُلّهُمْ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ إنّهَا طَهُرَتْ لَيْلَةَ الْبَطْحَاءِ، وَلَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ كَانَتْ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ وَهَذَا مُحَالٌ إلّا أَنّنَا لَمّا تَدَبّرْنَا وَجَدْنَا هَذِهِ اللّفْظَةَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ فَسَقَطَ التّعَلّقُ بِهَا، لِأَنّهَا مِمّنْ دُونَ عَائِشَةَ وَهِيَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهَا. قَالَ وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ هَذَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمْ يَذْكُرَا هَذِهِ اللّفْظَةَ. قُلْت: يَتَعَيّنُ تَقْدِيمُ حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنّهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ مِنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ.
الثّانِي: أَنّ حَدِيثَهُمْ فِيهِ إخْبَارُهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَحَدِيثَهُ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْهَا.
الثّالِثُ أَنّ الزّهْرِيّ رَوَى عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ هِيَ الّتِي بَيّنَهَا مُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ عَنْهَا، لَكِنْ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنْهَا: فَتَطَهّرَتْ بِعَرَفَةَ وَالْقَاسِمُ قَالَ يَوْمَ النّحْرِ.

.فصل الْعَوْدَةُ إلَى سِيَاقِ حَجّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

عُدْنَا إلَى سِيَاقِ حَجّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا كَانَ بِسَرِفٍ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا وَهَذِهِ.

.بَحْثٌ فِي فَسْخِ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ:

فَلَمّا كَانَ بِمَكّةَ، أَمَرَ أَمْرًا حَتْمًا مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَيَحِلّ مِنْ إحْرَامِهِ وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَلْبَتّةَ بَلْ سَأَلَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ هَذِهِ الْعُمْرَةِ الّتِي أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ إلَيْهَا، هَلْ هِيَ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ أَمْ لِلْأَبَدِ قَالَ بَلْ لِلْأَبَدِ وَإِنّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَمْرَ بِفَسْخِ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَحَادِيثُهُمْ كُلّهَا صِحَاحٌ وَهُمْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ أُمّا الْمُؤْمِنِينَ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وَسَبْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيّ، وَسُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. فَفِي الصّحِيحَيْنِ: عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَدِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلّينَ بِالْحَجّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّ الْحِلّ؟ فَقَالَ الْحِلّ كُلّهُ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قَدِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ الْعَشْرِ إلَى مَكّةَ، وَهُمْ يُلَبّونَ بِالْحَجّ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَفِي لَفْظٍ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ إلّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ: أَهَلّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَطَلْحَةَ وَقَدِمَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلّ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمَرَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، وَيُقَصّرُوا، وَيَحِلّوا إلّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ قَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَفِي لَفْظٍ فَقَامَ فِينَا فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنّي أَتْقَاكُمْ لِلّهِ وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرّكُمْ وَلَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَحَلَلْت كَمَا تَحِلّونَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ فَحُلّوا فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَفِي لَفْظٍ أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجّهْنَا إلَى مِنًى قَالَ فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِك بْنِ جُعْشُمٍ يَا رَسُولَ اللّهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ لِلْأَبَدِ. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلّهَا فِي الصّحِيحِ وَهَذَا اللّفْظُ الْأَخِيرُ صَرِيحٌ فِي إبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّ ذَلِكَ كَانَ خَاصّا بِهِمْ فَإِنّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا لِلْأَبَدِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إنّهُ لِلْأَبَدِ. وَفِي الْمُسْنَدِ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلّينَ بِالْحَجّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إلّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إلَى مِنًى وَذَكَرهُ يَقْطُرُ مَنِيّا؟ قَالَ نَعَمْ وَسَطَعَتْ الْمَجَامِر الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا كُنّا بِعُسْفَانَ، قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيّ: يَا رَسُولَ اللّهِ اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ فَقَال: إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجّةٍ عُمْرَةً فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوّفَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلّ إلّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَفِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا نَذْكُرُ إلّا الْحَجّ... فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَلَمّا قَدِمْنَا مَكّةَ، قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ اجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَأَحَلّ النّاسُ إلّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ... وَذَكَرَتْ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيّ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا نَرَى إلّا الْحَجّ فَلَمّا قَدِمْنَا تَطَوّفْنَا بِالْبَيْتِ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلّ فَحَلّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَدْخَلَهُ اللّهُ النّارَ. قَالَ أَوَمَا شَعَرْتِ أَنّي أَمَرْتُ النّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدّدُونَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ. مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتّى أَشْتَرِيَهُ ثُمّ أُحِلّ كَمَا حَلّوْا وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نَرَى إلّا أَنّهُ الْحَجّ، فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ مَكّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلّ قَالَ يَحْيَى بْنُ فَقَالَ أَتَتْك وَاَللّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حَدّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَحِلّ؟ فَقَالَ إنّي لَبّدْتُ رَأْسِي، وَقَلّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أُحِلّ حَتّى أَنْحَرَ الْهَدْيَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَقُمْ عَلَى إحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَصْرُخُ بِالْحَجّ صُرَاخًا، فَلَمّا قَدِمْنَا مَكّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إلّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجّ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ: عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قَالَ أَهَلّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمّا قَدِمْنَا مَكّةَ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اجْعَلُوا إهْلَالَكُمْ بِالْحَجّ عُمْرَةً إلّا مَنْ قَلّدَ الْهَدْيَ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

.غَضَبُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِمّنْ لَمْ يَفْسَخْ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ:

عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجّ فَلَمّا قَدِمْنَا مَكّةَ، قَالَ اجْعَلُوا حَجّكُمْ عُمْرَةً. فَقَالَ النّاسُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجّ فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً؟ فَقَالَ اُنْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ، فَرَدّدُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ فَغَضِبَ ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهُوَ غَضْبَانُ فَرَأَتْ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ مَنْ أَغْضَبَك، أَغْضَبَهُ اللّهُ فَقَال: وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آَمُرُ أَمْرًا فَلَا يُتّبَع وَنَحْنُ نُشْهِدُ اللّهَ عَلَيْنَا أَنّا لَوْ أَحْرَمْنَا بِحَجّ لَرَأَيْنَا فَرْضًا عَلَيْنَا فَسْخَهُ إلَى عُمْرَةٍ تَفَادِيًا مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاتّبَاعًا لِأَمْرِهِ. فَوَاَللّهِ مَا نُسِخَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا صَحّ حَرْفٌ وَاحِدٌ يُعَارِضُهُ وَلَا خَصّ بِهِ أَصْحَابَهُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ بَلْ أَجْرَى اللّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ سُرَاقَةَ أَنْ يَسْأَلَهُ هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصّ بِهِمْ؟ فَأَجَابَ بِأَنّ ذَلِكَ كَائِنٌ لِأَبَدِ الْأَبَدِ فَمَا نَدْرِي مَا نُقَدّمُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُؤَكّدُ الّذِي غَضِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. وَلِلّهِ دَرّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ إذْ يَقُولُ لِسَلَمَةَ بْنِ شُبَيْبٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ كُلّ أَمْرِك عِنْدِي حَسَنٌ إلّا خَلّةً وَاحِدَةً قَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ. فَقَالَ يَا سَلَمَةُ كُنْتُ أَرَى لَك عَقْلًا، عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَحَدُ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَأَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ وَفِي السّنَنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنّ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْيَمَنِ، أَدْرَكَ فَاطِمَةَ وَقَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَنَضَحَتْ الْبَيْتَ بِنَضُوجٍ فَقَالَ مَا بَالُكِ؟ فَقَالَتْ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَحَلّوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، مُجَاهِدٍ، قَالَ قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ: أَفْرِدُوا الْحَجّ وَدَعُوا قَوْلَ أَعْمَاكُمْ هَذَا. فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ: إنّ الّذِي أَعْمَى اللّهُ قَلْبَهُ لَأَنْتَ أَلَا تَسْأَلُ أُمّك عَنْ هَذَا؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ صَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ جِئْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ حُجّاجًا، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً فَحَلَلْنَا الْإِحْلَالَ كُلّهُ حَتّى سَطَعَتْ الْمَجَامِرُ بَيْنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ حَدّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: أَنّهُ حَجّ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ أَهَلّوا بِالْحَجّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ أَحِلّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصّرُوا، ثُمّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ فَأَهِلّوا بِالْحَجّ وَاجْعَلُوا الّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً. فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمّيْنَا الْحَجّ؟ فَقَالَ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَلَوْلَا أَنّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ. وَلَكِنْ لَا يَحِلّ مِنّي حَرَامٌ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ، فَفَعَلُوا وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا عَنْهُ أَهَلّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجّ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمّ يُقَصّرُوا إلّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَقَالُوا: أَنَنْطَلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ فَبَلَغَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْهُ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ حَتّى إذَا قَدِمْنَا مَكّةَ، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَحِلّ مِنّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قَالَ فَقُلْنَا: حِلّ مَاذَا؟ قَالَ الْحِلّ كُلّهُ، فَوَاقَعْنَا النّسَاءَ وَتَطَيّبْنَا بِالطّيبِ وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلّا أَرْبَعُ لَيَالٍ ثُمّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التّرْوِيَةِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً فَحَلّ النّاسُ كُلّهُمْ وَقَصّرُوا إلّا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ تَوَجّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلّوا بِالْحَجّ.
وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهَلّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمّا قَدِمُوا مَكّةَ، طَافُوا بِالْبَيْتِ وَالصّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَنْ يَحِلّوا، فَهَابُوا ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَحِلّوا فَلَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ فَأَحَلّوا حَتّى حَلّوا إلَى النّسَاءِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ: عَنْ أَنَسٍ قَال صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ بَاتَ بِهَا حَتّى أَصْبَحَ ثُمّ رَكِبَ حَتّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللّهَ وَسَبّحَ ثُمّ أَهَلّ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلّ النّاسُ بِهِمَا، فَلَمّا قَدِمْنَا أَمَرَ النّاسَ فَحَلّوا، حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ أَهَلّوا بِالْحَجّ... وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ إلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ، فَجِئْت وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَقُلْتُ أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. فَقَال: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ لَا، فَأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ قَالَ لِابْنِ عَبّاسٍ مَا هَذِهِ تَشَغّبَتْ بِالنّاسِ أَنّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلّ؟ فَقَالَ سُنّةُ نَبِيّكُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَإِنْ رَغِمْتُمْ. وَصَدّقَ ابْنُ عَبّاسٍ، كُلّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ مِمّنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ مُفْرِدٍ أَوْ قَارِنٍ أَوْ مُتَمَتّعٍ فَقَدْ حَلّ إمّا وُجُوبًا، وَإِمّا حُكْمًا، هَذِهِ هِيَ السّنّةُ الّتِي لَا رَادّ لَهَا وَلَا مَدْفَعَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ إذَا أَدْبَرَ النّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَقْبَلَ اللّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصّائِمُ إمّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَفْطَرَ حُكْمًا، أَوْ دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ وَصَارَ الْوَقْتُ فِي حَقّهِ وَقْتَ إفْطَارِهِ. فَهَكَذَا هَذَا الّذِي قَدْ طَافَ بِالْبَيْتِ إمّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلّ حُكْمًا، وَإِمّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ فِي حَقّهِ لَيْسَ وَقْتَ إحْرَامٍ بَلْ هُوَ وَقْتُ حِلّ لَيْسَ إلّا، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَهَذَا صَرِيحُ السّنّةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجّ وَلَا غَيْرُ حَاجّ إلّا حَلّ وَكَانَ يَقُولُ هُوَ بَعْدَ الْمُعَرّفِ وَقَبْلَهُ وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلّوا فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلّ الْحِلّ كُلّهُ فَقَدْ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ عَبْدُ الرّزّاقِ: حَدّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الشّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ منْ جَاءَ مُهِلّا بِالْحَجّ فَإِنّ الطّوَافَ بِالْبَيْتِ يُصَيّرُهُ إلَى عُمْرَةٍ شَاءَ أَوْ أَبَى قُلْتُ إنّ النّاسَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْكَ قَالَ هِيَ سُنّةُ نَبّيهِمْ وَإِنْ رَغِمُوا وَقَدْ رَوَى هَذَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ سَمّيْنَا وَغَيْرُهُمْ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ طَوَائِفُ مِنْ كِبَارِ التّابِعِينَ حَتّى صَارَ مَنْقُولًا نَقْلًا يَرْفَعُ الشّكّ وَيُوجِبُ الْيَقِينَ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُنْكِرَهُ أَوْ يَقُولَ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَمَذْهَبُ حَبْرِ الْأُمّةِ وَبَحْرِهَا ابْنِ عَبّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَذْهَبُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمَذْهَبُ إمَامِ أَهْلِ السّنّةِ وَالْحَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مَعَهُ وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظّاهِرِ.